السبت، 11 سبتمبر 2010

قصيدة /النيل يرفع راسه فرحان .... بقلم د. محمد وجيه الصاوي


مباراة شعرية : د.وجيه الصاوي يرد على فاروق جويدة
                                د.حنان درويش
    أحيانا يكون الرد غيرة على وطن ، فيخاطب العالم شاعرا بلغته ، ليرد منفعلا متفائلا ، رافضا العصيان والتمرد ، ونستمتع نحن بأبيات شعر تسطر تاريخ الوطن ، فقد نشرت قصيدة الشاعر فاروق جويدة بجريدة الأهرام المصرية بعنوان " النيل يرفع راية العصيان " ، وقد استفزت العالم التربوي الكبير ا.د/وجيه الصاوي أستاذ أصول التربية بجامعة الأزهر ، فانقلب شاعرا وسطر ردا ، ومالنا في الأمر ناقة ولا جمل إلا أننا سعدنا بتلك المباراة الفكرية الثقافية الفنية الشعرية الرائعة وها هي :
الأولي : النيل يرفع راية العصيان " فاروق جويدة "
رحل الزمان وما برحت مكانــــي ... فأنا الخلود‏..‏ ومالديكــــــم فـــــان
سجد الزمان علي ضفـــافي رهبة ...واستسلمــــــت أمم علي شطآنـــي
لم يركع التاريخ إلا في يــــــــدي ...لم تسمع الدنيا سوي ألحـــانــــــي
أنا من جنان الله أحمل سرهـــــــا....وكم انتشيتم من رحيــق جـنانــــــي
مهد الخليقة كان سرا في دمــــــي ....ومواكب التاريخ من أعـــــــوانـي
نام الزمان علي ضفافي آمنــــــــا....وبقيت وحـدي كعبـــــة الأوطـــان
لا تسألوا كيف انتهي سلطانـــــــي.... وتكسـرت في غفلــــــــة تيجــــاني
لم تحفظوا عهدي وخنتم رايتــــــي....حين استبحتم حرمــــــة الإنســــان
لم تحفظوا مائي فصـار خطـــــــيئـة....حقت عليها لعنـــــــــة الرحمـــــن
‏***‏
الله سطرني علي وجــــــه الوري ....نهرا يصــــــــلي بعــــــــد كل أذان
في كل أرض للمـآذن صرخــــــة....وبكل ركن رتلـــــــوا قرآنــــــــي
أنا وحي هذي الأرض سر وجودهـا....والله كرمنـي بكـــــــل زمــــــــــان
عندي من الصلبان ألف تميمـــــــة....ملأت بنور هلالــــها وديانـــــــــي
كم لاح وجــه الله بين ربوعهـــــــا....سجد الزمان وكبـر الهــــــرمــــان
فحملت للدنيا رسالـــة خالقــــــــي....ورسمت نهر الحــــــب والإيمــــان
منذ استبحتم حرمـــة الشطــــــآن....جحــد الرفاق وخانني جيـــــرانـــي
أنا لم أكن نهرا وضـل طريقـــــه....بل كنت دمـا ذاب فـي شريــــــــان
أنا لم أكن في الأرض ماء جاريا....بل كنت قلبا ضمـــــه جســـــــــدان
في مصر شريان يذوب صبابــــة...والعشق داء في ربـي الســـــــودان
‏***‏
وحدت أوطانـا‏..‏ جمعت عشائرا....والكل في عشق العـلا إخوانــــــي
الما بين يدي عهد مسالــــــــــم....فإذا غضبـت فإنـــــــه بركـــــــاني
سجد الفراعنة العظـام علي يدي....وتزاحمــــــــت أمـم علي سلطـاني
كان الوجود خرائبا منسيـــــــــة....شيدتها بشوامــخ البنيــــــــــــــــان
في كل شبر كنت أغرس نخلة....وعلي الضفاف يتيه سحـــر جـنانـي
أهديتكم دربا طويــلا للعــــــــــلا.....ديني‏..‏ وعلمي‏..‏ نخوتي‏..‏ وبياني
واخترت أن أبقي رسولا للهــــوي.....بين الأحبة‏..‏ واسألوا شطآنـــــــــي
في كل ركن عقد فــل عاشـــــــق....وحبيبة رحلت‏..‏ وطيـف حنــــــان
‏***‏
يوما غرست علي الضفاف مهابتي....ورفعت في قمم الجبـال مكانــــــي
ماء طهورا للصلاة فــــإن بــــدت....عين الخيانة أشعلــت نيرانـــــــــي
في واحتي تبدو الطيــــور أليفــــــة....لكنــها أســــد علي العــــــــــدوان
كم صرت نارا حين راوغنـي العدا.....ورأيت طيف الغــدر في سجـانــي
من باع إيمانـي وخان فضائلــــــي.....وأعادنـي للشـرك والبهتـــــــان؟‏!‏
كيف ارتضيتم محنتي وهوانـــــي ؟‏!‏....فتــمردت خيلــــي علي فرســانــي
هل يسكن القلب العنيــد إلي الثـــري....وتلفني في وحشــة أكفـــــــــاني؟‏!‏
هل يصبح الماء الجسور وليمـــــــة....للشامتين علي ثــــري جثمــــاني؟‏!‏
هل يخفت الضوء العتيق‏..‏ وتختفـي....فوق السنابل فرحــة الأغصــان؟‏!‏
هل ينتهي صخبي‏..‏ وتخبو أنجمــي....وتكف أطيـاري عن الـــــدوران؟‏!‏
أو تجلسون علي شواطي نيلكــــم.... تترنحون كعصبـــة الشيطــــــان؟‏!‏
ماذا سيبقي للحيــــــاة إذا اختفـــــي...وجهي‏..‏ وسافر في دجي النسيان؟‏!‏
أأكــون تاريخـا‏..‏ تــواري باكيـــــا.....بين السفوح ولوعة الأحـــــزان‏..‏؟‏!‏
‏***‏
من ألف عام كنت أركض شامخـــا.....بين الجموع يحيطنــي فرســـــاني
والآن ترصدني الوجوه فــــــلا أري.....غير الخنـــوع وخســـة الكهـــــان
فالجالسون علي العروش تسابقــــوا....عند الفـرار وأحرقـــوا شطـــــآنـي
قد علموني الصمت‏..‏ صرت كدميـة.....سـوداء شاخصـــة علي الجــــدران
والآن أقرأ في دفاتـــر رحلتـــــي.....فأري الجحـــود‏..‏ وجفــوة الخـلان
ماذا جنيتــم من ســلام عاجـــــــز.....غير الهوان‏..‏ يسوقنا لهــــــوان؟‏!‏
تتراقصــــــون لكــــــل ذئب قادم....وتراوغون‏..‏ كرقصة الحمــــلان‏!‏
وتهــرولون إلــي الأعــــادي خلســـة.....خلف اللصوص‏..‏ وباعة الأوطان‏!‏
خنتم عهـود الأرض‏..‏ بعتـــم ســرهـا.....للغاصبين بأبخــس الأثمـــــــــــان
من باعني أرضــــا وخــــان قداسـتـــي.....من دمر التاريخ في وجدانـــــــي؟‏!‏
يتزاحم الكهــــان حـول مضاجــعـــي....يتعانقــون علي ثــري أكفانــــــــــي
وحدتكم زمنـا فكنتـــم ســـعـــــادة.....للعالمين علي هــــدي سلطانــــــــي
والآن صرتــم لعبــــــــة يلهو بـهــــا.... شر العباد‏..‏ وعصبـــة الكهـــــــان
ما اخترت أرضي‏..‏ ما اصطفيت زماني......لكنـــه قـدري الذي أشقانـــــــــــــي
فلقد تبدلـــت الليــــالي بيننـــــــا......ورأيت عمرا جاحـــــدا أدمانـــــــي
‏***‏
يا أيها الوطن العريق قـم‏..‏ انتفــض.........واكسر كهوف الصمت والقضبـــان
أطلق أســود النيـــــل من ثكنــاتها.........واهدم قلاع البطـش والطغيــــــان
في الأفق شـــي لا أراه وإن بـــدا........خلف السحاب كثـــــورة البركــــان
يعلو صهيل المـاء‏..‏ يصـرخ حولنا........يتزاحم الفرســان‏..‏ في الفرســـــان
تهتــــز أرض‏..‏ تستغيث مواكـــب.......ويهـرول الكهـــان‏..‏ للكهــــــــــان
وأنا أطـل علي الربــــوع معاتبــــا........أشكو إليــهــا محنتــي وهوانـــــــي
منذ استبحتم حرمــــة الشطــــــآن.......صدئت علــي أطلالكــم تيجانـــــــي
حتي عيون الناس ضــــل بريقهــا.......ما بين ليــل القهـر والهذيـــــــان
‏***‏
سأزوركم في كــــل عـام كلــمـــا.......حنت حنايــــا الأرض للفيضــــان
أتسلق الأفـق البعيـــــد لكـــــي أري.......خلف السدود شواطئـي وجنانــــي
أنا لن أكف عن المجــــئ لأننـــي.......كـــالأرض ما كفـت عن الـدوران
سأطل من خلــــف الحـدود وربمــا........تبدو علي مـرارة الحرمـــــــــان
عودوا إلي الحب القديم‏..‏ وعلمـــوا.......أبناءكم أن يحرسوا شطـآنـــــــــي
أعطيتكم عمري‏..‏ وهانت عشرتي........والآن ارفع راية العصيان
لو كنت أعلم ما طواه زمانـــــــــي.........لاخترت أرضا غيركـم أوطانــــي




الثانية  : النيل يرفع راسه فرحان " ا.د محمد وجيه الصاوي "
مضى التاريخ وما تغير شانِ        فأنا البقـاء وللحضارة بانِ
عبد الزمان الرب على شطآنِ        دحرت الغزاة وهزمت الجاني
سجد التاريخ لربه على فيضاني        فأنا من شاهد عطائه العميانِ
وهبت النماء للزروع والبنيان          أنا الحياة هبة من الله للإنسان
وعزفت نصرا فوق كل مكان          فتغنت مصر بأجمل الألحان
خرجتٌ من ثوب الوجود أعاني        لتعيش مصر فخرا عبر أزمانِ
قيل إنها هبة من مائي وغرياني        بل إن أبناءك صناع لشرياني
قد صانوا مائي بالسد في أسوان        بعثوا حضارة تسامح وحنان
سكن الجدود بين جوانحي بأمان         سأظل مقصد كل مخلص حانِ
محال أن ينتهي مجد سلطاني        أو تنحني هامتي أو تنكسر تيجاني
فقد حملتم اليوم راية الإيمان             وبالنصر رفعتم كرامة الأكوان   
فقد ارتويتم بماء من الرحمن          فاحفظوا عهدي بلونه الأبيض القاني
لا تلقوا النفايات بين أحضاني        فكفى ما قاله جويدة أني غضبان
قدّر الإله جهدي مدونا بالجنان        نهرا خاشعا يصلى وقت كل آذانِ
بمصر يحضن الهلال  صلبان            تعلوه ترتيلة من الإنجيل والقرآنِ   
شهدت عبادة التوحيد بالإيمان        هيا ابعثوا مجد التسامح في ودياني
حتى وإن جحد الرفاق والجيران    أنا دماء الخلد تربط مصر بالسودان
أنا روح الحب وحّدها الجسدان      لملمت أشتات الشعوب بالفيضان
بدعائي تعانق العابدون بالرهبان    ففي حب مصر أصبحوا أخوان
شاهدت أنواع الطقوس والقربان        وآمـنت أن الله خالـد غير فانِ
فإن آتانى غادر جد عطشان        فلا أبالي بموت الناكر الظمآن
أنقلب لجحيم إذا بدى النكران        وتفورغضبتي من شامت بهواني       
يمحوه جدبي إذا انقطع جرياني        أنا رواء لكل  حي قاصِ ودانِ       
فلن يخبو ضوئي حتى بالبهتان        سيظل الحق ثمار من أغصاني
لن يغيب نجمي مادام في دوران    ليذوقوا بشطي سهرة عشق بامتنان
فما كان وكركم زمرة الشيطان        فالنيل لا يرحل أو يختفي هربان
من المحال أن يصبنا مس نسيان    كيف؟ ونغمك يانيل يطرب الآذان
ستظل عبر الآف السينين عنوان     بجنة الخلد كنهر مصفى صنوان
الآن ارصد بالوجوه نضرة الريان    سفينة بالنهر تبحر بحكمة الربان
الجالسون على العروش بالتيجان     فإذا ما تقاعسوا أو شجبوا سيان
فلن يصمت النيل ولا يقبل البهتان    سيظل ثائرا وأقوى من البركان
مهما نسى الجاحد أو طفف الميزان    شهادة حق محفورة على الجدران
فلا سلام يبني على أنقاض أهوان    فنحن الكرامة  نرفض الخزلان
ونحن الذئاب في عالم جُله حملان     نحن حضارة  لنصرة الأوطان
كل من باع أرضه خائن وجبان             كل من فرط بالقضية خاسر ندمان
لا نجلد الذات  فعبورنا برمضان    عودة كرامة وبناء جيل من الفرسان   
لسنا دُمى أو لعبة يلهو بها عدوان    نحن نسور الجو وغضبة الطوفان   
فلا خنـوع ويأس ولا بـكاء الآن    مهما تبدلت ليال بيننا كلها أشجان
فالأزهر والأهرام للدهر يتحديان    ليصنعا مسيرة المجد للعلا بتفان   
لذا ففي النهاية أقول:
تهتز أرض الكنانة استشرافا لأماني     وأطُل على الربوع مفاخرا بتهاني   
وجدت عيون الناس تلمع بهجة بلسان    أنا لست ضيفا حتى أزوركم بثواني   
أنا المقيم بين حناياكم وفي الوجدان    أنا الحياة أحملها حرصا بين أسناني   
يظل فيضي عشقا يغدق بأبهى ألوان    آتي إليكم من الجنوب مهللا فرحان   
أزهو بكم فخرا بنصر ملحمة شدوان    علّموا الأبناء حبي حفظا من الذوبان   
 لو كان اليوم خيارى أن أصيغ كياني    لاخترت مصر وطنا واخترتكم خلاني
التوقيع: النيل الباسم
د. محمد  وجيه الصاوي




كان هناك تعديل أخير لقصيدة الدكتور الصاوي , سأنشره لاحقا لأنه ليس على الهارد الذي معي الآن... خديجة صلاح أبوهاشم

هناك تعليق واحد: